25مارس

مجد.. قصة 7 شهور من الاعتقال لدى المخابرات

a72a55647fab3820a6d2f3c0b53d3f3fبعد أسبوع من وصوله إلى لبنان قبل مجد أن يروي قصّته. لم يعارض الفكرة أبداً عندما طُرحت عليه كما أنّه لم يعرف عن نفسه بأنه “أبو فلان”. قالَ اسمه كاملاً وأخرج الهويّة السورية التي تعطى للفلسطينيين بصفة “تذكرة إقامة موقتة” من دون أن يُطلب منه هذا.

مجد، الفلسطيني المولود في حمص والذي بلغ عامه العشرين قبل شهرين، وردَ اسمه في قائمة المطلوبين لفرع المخابرات الجوية بتهمة “الشغب”. 
دقائق قليلة من بدء الحديث معه غفى من شدة التعب ثم أجلسَ جسده وابتسم بحرج على غفوته القصيرة. يقول إنّه بقي مستيقظاً لمدة 48 ساعة لعدم معرفته بمصيره وبما سيواجهه في لبنان خصوصاً بعد أن كان متفقاً مع أحد أصدقائه أن يقيم عنده لفترة قصيرة ريثما يجد مسكناً لكن صديقه اعتذر عن استقباله عندما وصل إلى لبنان.
يقول مجد: “كانت أولى أيام دراستي الجامعية، كنتُ متحمساً جداً لدخولي في هذه المرحلة لكن للأسف لم أر منها شيئاً. أمسك بي الشبيحة مع نحو 50 طالباً في جامعة البعث في حمص بعد تظاهرة قمنا بها أمام كلية العلوم في الأشهر الأولى لانطلاق الثورة”.
ويتابع: “وضعوني داخل سيارة وأثناء سيرها في الطريق لم أكن قادراً على رؤية شيء من حولي. كان رأسي بين قدميّ وسحبوا عليه النصف الأعلى من ثيابي. أنزلوني في درج طويل وتبيّن لي من المدة التي استغرقناها على الدرج أننا متوجهون إلى مكان تحت الأرض. أخيراً أدخلوني في غرفة وأول ما قمت به كان الكشف عن وجهي. رأيت ما يقارب الـ400 شخص في مكان ضيق جداً وبدأ القلق ينهش رأسي، أين أنا؟ من هؤلاء وما هو التالي؟”.
أثناء تلك المدّة كان أهل مجد لم يعلموا بعد بأن ولدهم يقبع داخل زنزانة في أحد فروع المخابرات السورية، ومجد نفسه لم يعرف اسم الفرع إلا بعد مرور أسبوع على وجوده فيه، ظلّ صامتاً لا يتحدّث مع أحد طوال تلك المدة، ويضيف: “قررت التحدث إلى شخص كبير في السن فسألته: هون في تعذيب؟ أجاب : لاء هون ما في تعذيب، هون بيلعنوا ….، ازداد رعبي مما تفوه به الرجل، ولاحقاً فهمت معنى ما قاله. كنتُ في فرع المخابرات الجوية ومرّت الأيام الأولى من دون أن أتمكن من النوم لفترات طويلة لشدة خوفي من أصوات الصراخ والتأوهات التي كنت أسمعها”.
شعور مجد لم يختلف عما رواه معتقلون آخرون لكنه وجد له وصفاً لم يطلقه أحد من قبل، حيث رأى أن فترة انتظاره لأن ينطق السّجان اسمه ويأخذه إلى حفلة تعذيب كانَ مثلَ انتظاره لنتائج الثانوية العامة، فيقول: “ناداني السّجان باسمي. صعدنا إلى غرفة التحقيق وما زلت إلى اليوم أذكر شكلها ورائحتها ورقمها، كان رقمها 7 . سألني المحقق: شو تهمتك؟ لم أعرف بما سأجيب، فصاغ السؤال بطريقة أخرى، من وين جابوك؟ أجبت على الفور: من مظاهرة”.
يقول مجد إنه تلقّى صفعتين بعد إجابته على سؤال المحقق، شعر بالأولى أن خدّه يحترق وعند الثانية انفصل عن الواقع تماماً وبدأت تعود إلى مخيلته ذكريات الطفولة ووجه أمه وأبيه وإخوته، تلقى عدداً من الضربات بعصى بلاستيك على ظهره وهو عارٍ ولشدّة الألم أخطأ بعدّها لكنه يذكر أنّه عادَ إلى الزنزانة محمولاً وغير قادرٍ على الحركة وبقي على هذه الحال لأربعة أيام عاشها مستلقياً على بطنه ولم يتحدّث إلى أحدٍ سوى الرجل كبير السن الذي حاولَ أن يخفف من معاناته فقال له: “بعدك ما شفت شي”.
لم يكن مجد الشخص الوحيد الذي تعرّض للتعذيب. فيروي قصة موت مؤلمة شاهدها بأم عينه “في إحدى الأيام دخل رجل ضخم جداً واختار شخصاً من المعتقلين. قام بخلع كلّ ثيابه وربط عضوه الذكري “بخيط مصيص” وفتح له فمه وسكب الماء فيه. استمر على هذه الحال لثلاثة أيام، يدخل 3 مرات باليوم ويسكب كمية كبيرة من الماء في فمه إلى أن انفجرت مثانته ومات أمامنا من دون أن يجرؤ أحد على فكّ الخيط له”.
سألت مجد إن كان يعزف على “الغيتار”، بعد أن رأيت أظافره طويله فأجاب مبرراً: “أخاف من قص أظافري. أحد المعتقلين معنا كانوا يقتلعون أظافره كل يوم. كانت أظافر يديه ضامرة، فيحفرون تحتها قليلاً لتتمكن الكماشة المعدنية من التقاطها ثم يسحبوها، سحبوا أظافره العشرة”.
التعذيب لم يكن تعذيباً جسدياً فقط، بل كان التعذيب النفسي حاضراً أيضاً وعلى رأي مجد فهو أشد ألماً من الضرب خصوصاً وأنه لا يخلو من إهانات حقيرة واستحقار للمعتقل وأبرز أشكاله كان عندما رسم السجان لـ13 معتقلاً – أبقوا عليهم داخل الزنزانة من أصل 400 – درجاً على جدار غرفة التعذيب مقدماً لهم عرض الإفراج عمن يتمكن من الصعود عليه. وفي مرة ثانية أشار الضابط إلى جدار قال إن من بناه “غش” الفرع ومع مرور الزمن أصبح الجدار مائلاً ومن يتمكن من تجليسه سيخرج على الفور. “كنتُ مجنوناً وجرّبت” يقول مجد، إلى أن فقد الأمل بأن يتزحزح الجدارُ الضخم.
اعتقال مجد استمر 7 أشهر من دون أن يتمكن من إيصال خبر إلى أهله عن مكانه، وخروجه تم من خلال صفقة يقول إنه لا يشعر بالندم عليها ويتابع: “في الشهر الثالث لاعتقالي كنتُ قد اعتدتُ على عقوبة “الفلقة” ويا ليتهم استخدموها كل ساعة بدلاً من أشكال التعذيب الأخرى. أكثرُ وسائل التعذيب التي حيّرتني ولم أجد حلاً للتخفيف من الألم الذي تفعله كان عندما أدخلوني في المرة الأولى إلى غرفة فُرشت أرضها بصفائح معدن. توقّعت في بادئ الأمر أنهم سيشعلون النار عندما أدخل لكنها كانت صفائح معدنية موصولة إلى تيار كهربائي ولم أكن أملك حلاً إلا الجري عليها للتخفيف من مفعول التيار الكهربائي.
ويتابع مجد الحديث عن الغرفة الثانية: “لم ألحق في توقع ما سيحصل لي داخل الغرفة الثانية. ما إن تحسست الماء يغمر أعلى كاحل قدميّ بدأت الكهرباء تصعقني، استمر التيار الكهربائي يضرب كل جسدي لخمس دقائق متواصلة واستمر التعذيب على هذا النحو لمدة أسبوع إلى أن طلبني الضابط المسؤول عن جرم التظاهر “كما يسمونه” . لأول مرّة أشعرُ بأن أحداً سيحترمني في هذا المكان القذر، سألني من أي منطقة أنا، أجبتُ أنني فلسطيني من حمص. سخرَ من الإجابة فخاطبني قائلاً: “السوري بياكل كف إنت بتاكل عشرة لأنك أول شي حيوان وثاني شي فلسطيني وإنت مو من حمص، إنت فلسطيني. وبعدها بدأ يشتم فلسطين وفتح وحماس وأشياء لم أسمع بها في حياتي وكدت أن أنفجر من الضحك عندما شتم بحيرة طبريا!”.
يتابع مجد: “أخيراً صمت. تحدث على الهاتف ثم سألني إن كنت سعيداً وراضياً عن المدّة التي قضيتها في الفرع وقال إنه سيخلي سبيلي فوقّعت على تعهد بعدم التظاهر من دون إذن المخابرات وأخرج وثيقة عندما رأيتها شعرتُ بالصدّمة. كانت شهادتي الثانوية التي أخذتها الجامعة عندما قمتُ بالتسجيل في فرع الأدب الانكليزي.
قال لي: “راح نفصلك من الجامعة”، فسألته عن المدة فأجاب: “فصل نهائي” لم أفكر كثيراً ولم أسمح لنفسي بالتفكير فأنا لا أريد العودة مجدداً إلى غرفة الكهرباء ولا رؤية شخص ثان معلق من يديه والأفاعي تلفّ أقدامه، قلتُ له: موافق ، فمزّق الشهادة أمامي.
يملك مجد الكثير من الكلام، فالجزء الثاني من قصته ومعاناته بعد الاعتقال وعد أن يرويها ويصفها “بمعاناة انتهت إلى حد ما” عندما وصل إلى لبنان. قصة تحتوي على دماء وندبة في بطنه وخاصرته وثالثة في قدمه التي سار بها إلى حياة جديدة مع بقية من شظايا لم تتمكن مشافي حمص من إخراجها.
يحاول البدء بالجزء الثاني من القصة بخفّة دمه و”بكاراكتير” خاص بشخصيته فيقول: “أنا ما بدي موت، تخبيت من الرصاص بين أربع شهداء بس يا أخي ما بدي موت”. ويقول هذا متذكراً وجه الشاب الذي حاول أن يوقف نزيف دمه فعندما عجز رفع له سبابته بالقوة وقال له “اتشهد”.

صحيفة المستقبل اللبنانية

شارك التدوينة !

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*