29يونيو
fadidahouk

السوريون في لبنان يواجهون الخطر

فادي الداهوك

شارك نحو 25 عاملاً سورياً وهندياً، يوم الأحد الماضي، بحملة تنظيف أطلقتها بلدية ترتج الواقعة في قضاء جبيل، في لبنان. للوهلة الأولى، قد يبعث الخبر على السعادة والسرور من مشاركة أولئك لأهل البلدة في تنظيفها، لكن ما الذي حصل حقاً؟

لافتة تطلب من العمال السوريين المشاركة الإلزامية بتنظيف بلدة ترتج

لافتة تطلب من العمال السوريين المشاركة الإلزامية بتنظيف بلدة ترتج

“تعلن بلدية ترتج عن رغبتها القيام بحملة تنظيف للبلدة، وذلك نهار الأحد في 26/6/2016. على جميع العمال الأجانب المشاركة الإلزامية ونتمنى من جميع أبناء البلدة المشاركة أيضاً” كان ذلك نص اليافطة التي رفعتها بلدية ترتج. إذاً كان القرار ملزماً لـ”العمال الأجانب” -وذلك التعبير غالباً ما يقصد به العمال السوريون بالدرجة الأولى في لبنان- واختيارياً لأهالي البلدة، وجاء خارج سياق ردات الفعل، وقبل يوم واحد من الانتهاكات التي انفلتت على السوريين بعد تفجيرات القاع الإرهابية الاثنين 27 يونيو/حزيران، وآخرها الاعتداء، بالضرب، على عوائل تقطن في بلدة حراجل في قضاء كسروان.

الذين يتلقون هذه الأنباء، من السوريين خارج لبنان، لا يعرفون طبيعة المناطق الحزبية والمذهبية التي تتفنن بسنّ القوانين على السوريين، وغالباً ما يمكن أن يقرن اسم حزب الله مع الحديث عن تلك الانتهاكات. في حقيقة الأمر، معظم هذه المناطق هي مسيحية. وهنا يسجّل للمناطق التي تشكّل “البيئة الحاضنة” لحزب الله، أنها لم تشهد حملات منظمة، ومستمرة، لطرد السوريين منها، أو الحد من حركتهم وتنقلهم، على الرغم من أنها استهدفت بتفجيرات ضخمة أكثر من مرة.

 

اللافت في الأمر، أن علاقة السوريين واللبنانيين في بيروت، تبدو أقل حدّة من أماكن أخرى في خارجها، فقد كسر عمل السوريين مع لبنانيين، في أماكن ومهن مختلفة، النظرة المسبقة لدى الطرفين عن الآخر. لكن في بيروت أيضاً، يمكن ملاحظة العزل الذي تقيمه المناطق المسيحية بين سكانها الأصليين، والغرباء السوريين، وهناك تبلغ الإجراءات بحقهم حداً لا يمكن فهمه أو تبريره.

في المناطق المسيحية، يتجنّد الناس خلف خطابهم المعادي للوجود السوري انطلاقاً من موقف الأحزاب التي ينتمون إليها، أو التي تحكم مناطق تواجدهم. ففي الأشرفية على سبيل المثال، وفرن الشباك،.. ترفع لافتات تطلب من السوريين عدم التجول بعد الثامنة مساءً. وعلى بعد دقائق من بيروت، يمكن أيضاً لهذه اللافتات أن تكثر، وتطبع نسخ حديثة منها، في الكحالة، وعاريا..

من المفهوم غياب تلك اللافتات في مناطق حزب الله، في العاصمة، تطبيقاً لشعار وحجّة قتاله في سوريا. فالسوريون القاطنون في “بيئته الحاضنة”، هجّرتهم “العناصر الإرهابية” التي يقاتلها الحزب في سوريا. لكن على النقيض من موقف “حزب الله”، يبرز موقف حزبي “القوات” و”الكتائب”. بيد أن موقف الحزبين يبقى غير نزيه، إذ إنه يعادي النظام وحزب الله، ولا يتعاطف مع ضحايا تحالف الأسد-نصرالله، إلا إذا استثنينا موقف رئيس حزب “القوات” سمير جعجع، حيث كان يحرص مراراً، وفي معظم المناسبات، على تخصيص كلام طيب بحق النازحين، فضلاً عن أنه الزعيم المسيحي الوحيد، ربما، الذي يعرف من هو حمزة الخطيب!

أما موقف “التيار الوطني الحر” الذي يتزعّمه وزير الخارجية اللبنانية جبران باسيل، فهو في غاية الغرابة والاستعلاء على السوريين، خصوصاً أنه ينظر إلى النازحين المرمين في العراء، في لبنان، على أنهم خطر يهدد الوجود المسيحي، ويرفض الحديث عن دور حزب الله والنظام السوري في تهجيرهم ودفعهم إلى خيار الاستقرار المؤقت في لبنان. وفوق كلّ ذلك، لا يجد “التيار” ضيراً في أن يعالج أطباء ينتمون إليه، رئيس جهاز الأمن السياسي رستم غزالي، بعد الخلاف الذي نشب بينه وبين رئيس شعبة الأمن العسكري رفيق شحادة، وأدى إلى سحل غزالي من قبل مرافقي شحادة.

في آذار/مارس 2015، نشر الصحافي الفرنسي جان فيليب لوبيل على مدونته في موقع “ميديا بارت” الفرنسي، معلومات من مصادر أمنية، قالت إن بعد إصابة رستم غزالي، أرسل “ثلاثة أطباء من مستشفى أوتيل ديو دو فرانس في بيروت، موالون للحليف المسيحي لحزب الله، العماد ميشال عون، احدهم اختصاصي في أمراض القلب، واخر في الأمراض العصبية وثالث في حالات الطوارئ، الى سوريا من اجل انقاذه”.

بعد تفجيرات بلدة القاع، أخذت عمليات احتجاز السوريين من قبل السلطات اللبنانية شرعية ومبرراً إضافيين، على الرغم من إعلان وزير الداخلية نهاد المشنوق عدم صلة الانتحاريين بالنازحين، ولاحقاً إعلان وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس أن الوجود السوري في لبنان مضبوط. ومنذ يوم الاثنين، وحتى ليل الأربعاء، صدرت بيانات رسمية تفيد بالقبض على 124 سورياً في عكار ومخيمات الطيبة، الحمودية، يونين، تل أبيض، الحديدية، دورس. و90 سورياً في بعلبك، وعكار (ثانية)، وجديتا البقاع ودير عمار الشمال. و12 سورياً في حوش الأمراء في زحلة. و155 أعلن القبض عليهم في بيان رسمي أصدره الجيش اللبناني الساعة 10:26 ليل الأربعاء 29 يونيو/حزيران، ومعظم التهم الموجهة إليهم كانت “تجولهم بصورة غير شرعية”.

أمام هذا الواقع، كيف يمكن للسوريين الضعفاء، الذين يعيشون وسط خوف وتحريض مستمر، يمكن وصفه بأنه “إرهاب دولة” يمارسه وزير خارجيتها، أن يمثلوا تهديداً لهذا السلوك المتوحش ضدهم؟ لعل الأخطر من ذلك، أن هذا السلوك بات يستمد قوة إضافية، فـ”أجمل زهرة في حديقة القوات”، أصبحت الآن ترتوي من جدول المفاهيم التي كبرت عليها أشوك حزب الله، وأصبحت مؤذية.

 

شارك التدوينة !

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*