23مايو
438

انهيار تحالفات الغوطة.. “جيش الإسلام” وحيداً

فادي الداهوك – المدن

مرت الفصائل المسلحة في الغوطة الشرقية بخلافات كثيرة في السابق، إلا أن الخلاف الأخير بين “جيش الإسلام” من جهة، و”فيلق الرحمن” و”جيش الفسطاط” (حركة أحرار الشام – جبهة النصرة – لواء فجر الأمة) من جهة ثانية، كان الأعنف، ورسّخ حقبة جديدة من أشكال الصراع على مداخل العاصمة السورية.

على مدى السنوات الماضية، خاض “جيش الإسلام” مواجهات مع كل الفصائل التي كانت تتواجد في الغوطة، حتى حركة “أحرار الشام الإسلامية”. وفي كل مرة، كانت روايته أن الآخرين ظلموه، واضطر للدفاع عن نفسه، فتمكّن بتلك الطريقة من فرض هيمنته على الغوطة، بعد التخلص من منافسين أقوياء.

في الفترة الممتدة من أواخر العام 2013، إلى العام 2015، كان معظم ضحايا “جيش الإسلام” وقائده آنذاك زهران علوش، من المعارضة التي كان يُنظر لها على أنها نواة للجيش الحر في الغوطة. وكانت كل الاتهامات الموجهة إليهم تتعلق بقضايا تراوحت بين الشذوذ الجنسي، وتجارة المخدرات، والعمالة لصالح تنظيم “الدولة الإسلامية”، وتقديم الديموقراطية على “شرع الله”، قبل أن يرتدي هو عباءة الديموقراطية في جنيف. وتكاد حركة “أحرار الشام”، و”جبهة النصرة”، و”فيلق الرحمن”، هي المجموعات العسكرية الوحيدة التي نجت من الحملات المسماة “تطهير الغوطة”، وذلك بسبب تخاذلها مع “جيش الإسلام” في معاركه ضد خصومه. وكل تلك المعارك كانت تندلع عندما تُرفض طلبات علّوش حيال تغييرات تتعلق بتوسيع صلاحياته في هيئات عسكرية أو قضائية، تشكّلت في فترات عديدة، وأبرزها “القضاء الموحد” الذي انتهى بأن كان “جيش الإسلام” هو الخصم والحكم فيه.

الجديد الآن في اقتتال الغوطة، هو أنه يحصل بين حلفاء الأمس، وعلى أعتاب مرحلة تثبيت خطوط التماس من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، وإعادة رسم خرائط السيطرة وإعطائها اعترافاً دولياً من أجل ضرب الأطراف التي قد ترفض الاشتراك في العملية السياسية. كما أنه الآن اقتتال في غرفة واحدة، لكن من دون أن يكون لأحد من أولئك المتعاركين أصدقاء في الخارج، إذ لم يعد في الغوطة مقاتلون خارج ثلاثية جيش الإسلام-فيلق الرحمن-جبهة النصرة، بعدما تخلص التحالف الثلاثي من الآخرين.

اقتتال المعارضة في الغوطة حقق للنظام اختراقاً كبيراً، لم يحصل منذ سنوات. وبدا أن خصوم الأسد منهمكون في عراكهم المصيري، إلى حد لا يسمح لهم بتفريغ ساعات قليلة لمواجهته، فاستعاد السيطرة على القطاع الجنوبي من الغوطة مجاناً.

وبينما كانت معظم الخلافات السابقة بين فصائل المعارضة تحل بتدخلات إقليمية، أو من قبل هيئات إسلامية سورية، مثل المجلس الإسلامي السوري، كان من المثير حالياً أن المبادرات جاءت كما لو أنها تبرئة ذمّة، وموقف من أجل أن يقال عن المبادرين، يوماً ما، إنهم سعوا للصلح.

ولكن بصورة أدق، يمكن وصف ما يحصل بأنه تخلٍّ عن “جيش الإسلام” من قبل الداعمين الإقليميين، بسبب تعدد ولاءاته، والحلفاء من الفصائل المسلحة، ولاسيما “أحرار الشام”، التي تتشارك مع “جبهة النصرة” في تحالف “جيش الفتح” شمالي البلاد وتحالف “جيش الفسطاط” في الغوطة، ولاشك أن السبب الرئيس في ذلك كان مشاركة “جيش الإسلام” في الهيئة العليا للمفاوضات، فحركة “أحرار الشام” تنصّلت من مشاركة جناحها السياسي في مؤتمر الرياض، الذي انبثقت عنه هيئة التفاوض، بإصدارها بيان هجاء فيه. أما “جبهة النصرة” فكانت خارج كل تلك الدوامة من الأساس.

منذ أيام، أصبحت الفضائيات تستضيف كبير المفاوضين في وفد الهيئة العليا محمد علوش، كمعلّق على ما يجري في الغوطة. وفي كل المرات التي تحدث بها، كان يتهم “جبهة النصرة” بأنها تحاول استئصال “جيش الإسلام” من الغوطة. ذلك التظلّم الذي يلتمسه علّوش أمام الجمهور، ليس إلا دليلاً على حجم الوحدة التي يعيشها واحد من أقوى جيوش المعارضة في سوريا. فبعد أن كان “جيش الإسلام” خبيراً في استئصال خصومه، ها هو اليوم يشكو مما صنع منفرداً.

ربما لو كان زهران علوش على قيد الحياة، لما وصلت الأمور إلى هذه الدرجة، فالرجل كان يتمتع بكاريزما مؤثرة، وعلاقات عابرة للحدود، بدأت من العراق إبان الغزو الأميركي. لكن ذلك أيضاً لن يغير حقائق يعرفها المدنيون في دوما، وعربين، وسقبا.. وغيرها من مناطق الغوطة الشرقية، عن أن “جيش الإسلام” تنمّر على الجميع ولم يترك صديقاً يسانده في أوقات الضرورة، واغتنى من حبّه للحصار، فامتلك كل شيء في الغوطة مع مرور الوقت، لكنّه الآن ليس إلا واحداً من أطفال يتشاجرون في ما بينهم داخل الغوطة، وجزءاً من آلاف الأعداء المتحاربين في سوريا.

شارك التدوينة !

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*