15فبراير
438 (1)

أكراد سوريا وتركيا.. مواجهة في الكيلومترات القاتلة

فادي الداهوك – المدن

خطّان أحمران رسمتهما تركيا لحزب “الاتحاد الديموقراطي” الكردي في سوريا، وأبلغت واشنطن رسمياً عنهما: لا يشترك أكراد “الاتحاد الديموقراطي” في محادثات جنيف. لا يعبر مقاتلوه ضفة الفرات الغربية. فعلياً، تأجّلت مسألة اشتراك الحزب في الجولة الأولى من “جنيف-3″، لكن مقاتليه وصلوا إلى اعزاز، ما معناه أنهم اجتازوا الضفة الغربية لنهر الفرات بأكثر من 100 كيلومتر.

مع انطلاق معركة “قوات سوريا الديموقراطية” للسيطرة على سد تشرين وطرد تنظيم “الدولة الإسلامية” منه، وهو ما تحقق أواخر ديسمبر/كانون الأول العام الماضي، ارتفعت لهجة التحذير التركية للأكراد. الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أعلن أن بلاده ستقوم بضرب القوات الكردية إذا تقدمت نحو مناطق مثل اعزاز. وقال كلاماً كان بمثابة بلاغٍ لواشنطن، أكد فيه على ضرورة أن يتفهّم الجميع “الموقف التركي بخصوص منع تسلل تنظيم حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي إلى الضفة الغربية لنهر الفرات”.

تتهم المعارضة السورية حزب “الاتحاد الديموقراطي” بالتحالف مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد لكونه الفرع السوري من حزب “العمال الكردستاني” في تركيا، إذ كان الحزب الذي يتزعمه عبدالله أوجلان على علاقة مع النظام السوري، حيث قدم له الأخير معسكرات تدريبية في سوريا ولبنان، إبان الهيمنة السورية على لبنان. بيد أنه في الوقت الحالي، لا وجود لدلائل دامغة تؤكد عمالة “الاتحاد الديموقراطي” لنظام الأسد.

مع ذلك، لا بد من الاعتراف بوجود تفاهمات بين الطرفين. في العام 2012، توصّل حزب “الاتحاد الديموقراطي” برئاسة صالح مسلم، إلى اتفاقية مع الحكومة السورية، تقضي بإخلاء قوات النظام مواقعها في كوباني (شمال)، وعفرين (شمال غرب)، والحسكة/أو الجزيرة (شمال شرق)، وتلك الكانتونات الثلاثة أعلن فيها الحزب لاحقاً الإدارة الذاتية، وضم إليها حديثاً مدينة تل أبيض وغالبية سكانها من العرب، لتصبح المساحة الأكبر من الحدود السورية-التركية تحت سيطرة “وحدات حماية الشعب” الذراع العسكرية للحزب. كانت تلك التفاهمات من المرات النادرة في سوريا، التي تجنب فيها طرفان، خصمان، سيناريو مواجهة عنيفة، لكن ذلك لم يمنع من حدوث صدامات بين جهاز الأمن الداخلي للحزب “الاسايش”، وجماعات تابعة للنظام.

مؤيدو الحزب الكردي برروا لـ”الاتحاد الديموقراطي” بأنه توصل الى هذه التفاهمات مع نظام الأسد لحماية مناطقه من طموحات توسعية لـ”السلفيين”- الاتهام الرسمي السوري الذي كان يوجه إلى المقاتلين المعارضين للأسد في تلك الفترة- حيث كانت الحرب على وشك الاندلاع بين فصائل تابعة للمعارضة و”وحدات حماية الشعب” في بعض المناطق الكردية في محافظة الحسكة. لم تتأخر المعركة، وكانت المواجهة الأشهر بين الأكراد والمعارضة، في ذلك الوقت، في بلدة رأس العين (سري كانيه بالكردية) في نوفمبر/تشرين الثاني 2012، وتعتبر تلك المعركة أول انهيار عنيف في العلاقة بين أكراد سوريا وعربها من جهة، وأكراد سوريا وتركيا من جهة ثانية، إذ تدخلت تركيا لمساندة قوات المعارضة من خلال قصف القوات الكردية بالمدفعية، وانتهت الأمور بهدنة أبرمت بين الطرفين.

في ما تلا تلك الفترة، برز حزب “الاتحاد الديموقراطي” كثقب كبير ابتلع الأكراد في سوريا، مستغلاً ازدياد مخاوفهم من معارضي الأسد الذين تدعمهم أنقرة، الغريم التاريخي لأقرانهم في تركيا. وما زاد من تفرّده بقرار الأكراد غياب أصوات مناهضة للنزعة الانفصالية لدى الحزب، خصوصاً مع اغتيال القيادي الكردي مشعل التمو بعملية نفذها مجهولون أواخر العام 2011 في الحسكة. والقيادي الذي أسس تيار “المستقبل الكردي” كان أحد أبرز المنظرين لاندماج الأكراد مع العرب في سوريا كمستقبل واعد، ومسالم للطرفين، بعد الاضطهاد الذي عانى منه الأكراد خلال عهد الأسد الأب.

وجود حزب “الاتحاد الديموقراطي” كسلطة أمر واقع في المناطق الكردية فتح أمامه فرصاً كبيرة لإقامة تحالفات كبرى، إحداها العلاقة مع روسيا التي ضغطت لحضوره في محادثات جنيف هذا الشهر، ما أثار اعتراضاً تركياً. ولا بد من التذكير أن مشكلة تمثيل الأكراد في محادثات السلام السورية مستمرة منذ مؤتمر “جنيف-2” الذي انعقد في العام 2014، إذ كان الأكراد منقسمين بين حزب “الاتحاد الديموقراطي، والحزب “الديموقراطي الكردستاني” برئاسة مسعود برزاني، الذي انكفأ عن هذا الملف بعد فشل مسعاه بتشكيل وفد كردي موحد خلال “جنيف-2”.

والآن، قبيل استئناف محادثات “جنيف-3″، يبدو الأكراد في مأزق ذي شقين؛ الأول سياسي يتعلق بمسألة اشتراكهم في محادثات السلام، والثاني عسكري يهدد باندلاع حرب كبيرة قد تؤدي مساعي إحباطها، ومنع انهيار “جنيف-3″، واتفاق ميونخ، إلى الضغط للتضحية بالتحالف المدعوم أميركياً “قوات سوريا الديموقراطية” الذي يشكّل الحزب الكردي فيه حجر أساس. فسلوك التحالف المريب بالنسبة إلى تركيا، تجاه تشكيل وحدة جغرافية من كانتون الجزيرة إلى عفرين، الواقعة شمال غربي سوريا في حلب، حوّل هدوء تركيا أثناء قتال “سوريا الديموقراطية” لتنظيم “الدولة الإسلامية” إلى غضب كبير، تسبب بقصف مقاتلي هذا التحالف عندما تقدموا إلى منغ ومطارها العسكري، وقريتي المالكية في اعزاز ومزرعة في عفرين.

إلى حد كبير، وجد الأكراد المنضوين ضمن صفوف “قوات سوريا الديموقراطية” أرضية ثابتة لتوسيع نفوذهم، نتيجة الغارات الروسية على مناطق المعارضة في ريف حلب الشمالي. إلا أن التقديرات الحالمة في مسألة التوسّع حوّلتهم إلى مجموعة من المشّائين في نزهة وسط غابة، يصارع الجميع فيها للبقاء على قيد الحياة. كما أنهم أصبحوا يشكّلون عاملاً ضاغطاً على العلاقة بين واشنطن وأنقرة، الحائرة في تصنيف الرئيس الأميركي باراك أوباما كصديق لها، أو مجرد إسم في قائمة المعارف.

ما يتجاهله “الاتحاد الديموقراطي” هو أن نطاق المعركة في الشمال السوري خرج عن كونها معركة بين المعارضة والنظام؛ هي اليوم أكثر من أي وقت مضى معركة بين روسيا وتركيا، ولن يكون بمقدور أنقرة تحمّل أي إزعاجات جانبية خلالها. فكيف إذا كانت تلك الإزعاجات كردية، وهدفها فرض “الاتحاد الديموقراطي” كمالك جديد للأرض في جيوب حساسة على حدودها؟

قد تكون الكيلومترات التي يسعى إليها أكراد “الاتحاد الديموقراطي” في الشمال، مساحات مأهولة صغيرة ضمن الأرض الكبيرة المشتعلة بالمعارك، لكنّها الكيلومترات القاتلة للأكراد السوريين. وفي ذلك تأسيس لعلاقة مهشّمة مع العرب، لن تزول بمجرد حدوث تغيير سياسي في البلاد، وهذا يدفع بشدّة لإعادة بث الأوكسجين داخل الكتلة الكردية المعارضة للانفصال، ودعم أساسات صعودها مجدداً في وجه حزب “الاتحاد الديموقراطي”.

شارك التدوينة !

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*