25مارس

كفرنبل السورية تطلب من رعاياها مغادرة دمشق فوراً

C15-N1“الثورة الرقمية جعلت أشياءَ كثيرة لم نكن نتصور حدوثها قبل سنوات عدة، أمرا ضروريا.. لا يمكن أن نتخيل حياتنا بدونها اليوم.. باختصار يمكن القول: إن الإنسان أصبح عبداً للتكنولوجيا بكل ما تعنيه كلمة عبد من معنى.. وكما هي العادة في كل المجازر التي تحدث، هناك ناجٍ وحيد: كفرنبل.. المحتلة”.

صحيح، تلكَ المقدمة هيَ لمسلسل “ضيعة ضايعة” وعبارة “كفرنبل .. المحتلة” هي استبدالٌ للعبارة الشهيرة “أم الطنافس .. الفوقا”. ولو سَأل سائلٌ إن كانَ الربط في ما بين كفرنبل وأم الطنافس يصلحُ في الثورة السورية، فالجوابُ نعم، لأن الحدث الدرامي في مسلسل “ضيعة ضايعة” هو تفصيلٌ خالص ومادة خام لمسببات الثورة في سوريا من أم الطنافس الفوقا إلى كفرنبل المحتلة التي اتخذت مكان دولة كبيرة تطالب “اهاليها بمغادرة دمشق فوراً” كما جاءَ في إحدى اللافتات التي رفعها شبابها مع بدء القصف على أحياء دمشق، ويُقال عنها “كفرنبل المحتلة” بسبب حصارها من قبل جيش النظام.
كفرنبل في أيام ما قبل الثورة، هي منطقة تشبه الـ”الضيعة الضايعة”، تشبهها لتوفر كل مقومات ضياع اسمها عن الخرائط والنشرات الجوية وضياع اسمها عن ألسنة السوريين أنفسهم، وأهم مقومات هذا الضياع هو حكم الأسد، والفرق بينها وبين “أم الطنافس” أنها منطقة يتقن أهلها صناعة الكاركتر وإيجاد الكاريزما الخاصة لأحداث حقيقية مع إسقاط فكرة إعادة المشهد في ما لو لم يعجب المخرج.
لكفرنبل أهمية تاريخية بما تحتويه من آثار عريقة، فهيَ تقوم على أطلال مدنٍ بيزنطية كثيرة، والوصول إليها يكون من الجهة الغربية لمدينة معرة النعمان في إدلب على بعد 10 كيلومترات منها.
ذُكر اسم كفرنبل في مذكرات الرحالة الانكليزية جيرترود بيل، ويعود تاريخ تلك المذكرات إلى العشرين من آذار من العام 1905، وفي المقطع التي تُذكر فيه كفرنبل، تقول: “انطلقنا إلى كفرنبل حيث القرى المتناثرة على طول الطريق وقبور بارزة، ومنبسطات زراعية محروثة بين فُرج التلال، وتراب أحمر، وسلاسل زيتون متراصة، وكان في كل بقعة مدن سكنها العرب، ومن بعدهم المسلمون.
وفي كفرنبل، توجهنا عبر قفر صخري تخللته شقائق النعمان والياقوتيات وأعشابٌ ورقعُ أراض محروثة في قيعان الوديان إلى خربة حاس غير المأهولة، اللهم إلا من خيم لبعض البدو، رأيت كنيسة وربما شارع ومنازل كبيرة، وقبور منحوتة في الصخر وحدائق داخلية والكثير من البرك”.
يبلغ عدد سكان كفرنبل ما يقارب الثلاثين ألف نسمة، يُعرف عن أهلها الطيبة والكرم، وربما زيارة أحد ما إليها، يكونُ مقابلها الحصول على تنكة زيت وعلبة معقود من التين كعربون محبة.
وإلى جانب التين والزيتون، ومنذ اليوم الأول للثورة السورية، اشتهرت كفرنبل بلافتاتها حتى غدت منطقة لها ثورتها الخاصة، وعلى الرغم من تعرضها للقصف والقمع والقتل، لكنها هادئة وواثقة ومستمرة ، يُقرأُ لها أجمل الكلام، ولا يسمع لها صوت، وهيَ إن أعلنت يوم أسقطت الدفاعات الجوية السورية الطائرة التركية أن “اسطنبول خط أحمر وكفرنبل لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي اعتداء على تركيا”، كما جاء في إحدى لافتاتها، فهيَ حتماً كانت تقول الصدق، ومع ذلك فهيَ لا تطالب بتغطية إعلامية لأحداث الثورة فيها، ولا تنتظر تدخلاً عسكرياً أو قراراً عربياً أو إسلامياً أو دولياً، لتنتصر على الأسد لأنها انتصرت بأول لافتة رفعت باسمها.
كفرنبل إن غضبت، كان غضبها جميلاً مثلَ روح أهلها، والدليلُ على هذا، عندما جعل أهلها كل الذين يدّعون مساندتهم الشعب السوري، عراةً أمام لافتة أبدعوها وكتبوا عليها “يسقط النظام والمعارضة .. تسقط الأمة العربية والإسلامية .. يسقط مجلس الأمن .. يسقط العالم .. يسقط كل شيء”.
أما عن رسامها أحمد جلل فهو إلى اليوم بأمان، وما زال يبدع لوحات تحمل قيمة ثقافية وفنية عالية حتى وصلت شهرته، برأي بعض أهل البلدة، أبعد من شهرة ليوناردو دافنشي، وأبعد من شهرة لافتته الفريدة “لا ترحل .. جايينك”، التي عبرت كل المدن السورية ورفعتها آلاف الأيادي في الساحات.
أهل كفرنبل الذين عوّدوا السوريين على إبداع لافتة في كل مناسبة، يترقبون الآن حدث اللحظة المقبلة، وقبل قليل انتهوا من إنجاز لافتة تعبر عن رأيهم بمناف طلاس، بدأها رسامهم بقص الكرتونة ليصل إلى مرحلة وضع النقاط على آخر حروف الكلمة في اللوحة لتصبح “عاجل: أ.ف.ب: سيطرت كتيبة شارل ديغول بقيادة العميد مناف طلاس على شارع الشانزيليزيه ..”، ولا ينتهي يوم الكفرنبليين هنا، فيجتمعون في إحدى الساحات أو الساحة الوحيدة في كل البلدة، ويلتقطون مع اللوحة صورة عائلية جداً مدوّن في أسفلها التاريخُ كاملاً

صحيفة المستقبل اللبنانية

شارك التدوينة !

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*