25مارس

أبطال الثورة السورية .. أبو صبحي الدرة

C14N2تدخل قلب دمشق، من البرامكة أكثر المناطق حيويّة ونقطة الانطلاق إلى مناطق كثيرة، تمر بجانب وكالة الأخبار السورية “سانا”، على بابها حراسة مشددة زادت مؤخراً والازدحام كما العادة، البسطات تملأ المكان بشكل فوضوي، تحت إحداها جهاز اتصال لاسلكي وعلى سطحها “فراولة” شكلها يغري المارة.

بالاقتراب والسؤال عن السعر، يحاول البائع جرّ الزبون إلى حديث عن خيرات البلد وأن “الفراولة” رخيصة ومتوفرة دائماً .
في الاتجاه شرقاً نحوَ سوق الحميدية تمرّ بشارع الحلبوني والحجاز، كل شيء طبيعي والحركة عادية، ولا يمنع ذلك من بعض مظاهر الثّورة بين فترة وأخرى .
في الطريق إلى كراج العبّاسيين، مظاهر الشّعار “سورية بخير” تملاً المكان، صورٌ من جنس “منحبك” متواجدة بكثرة، حملة إعلانات النظام التوعوية لتسويق الدستور الجديد “مصلحتي هي مصلحتك” حاضرة أيضاً. داخل الكراج كلّ شيء مختلف، ذلك الكراج هو نقطة التقاء أهالي ريف الشّام المشتعل ثورة.
في الطريق إلى دوما
في الشمال الشرقي من العاصمة دمشق، وعلى بعد 14 كيلو متراً، تقع مدينة دوما، أكبر مدن الرّيف، تمتد على مساحة ثلاثة آلاف هكتار، منها 300 هكتار، استغلّت بالعمران، وما تبقى أراضٍ زراعية، ذلك المسحُ كان قبل الثّورة، أما اليوم، فقد تقلّصت المساحة العمرانية والمساحة المزروعة نتيجة القصف الذي تعرضت له المدينة من قبل قوّات النظام .
كثيرةٌ هيَ الأحداث التي تحصل أثناء طريق العودة من دمشق إلى دوما، داخل أحد سيارات الاجرة، يروي أحد ركاب حادثة طريفة حصلت في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الماضي، في تلك اللحظة، رنّ جوّال أحد الرّكاب، وكانت الأغنية ” منحبك يا كبير” إحدى الأغاني التي تمجّد بشّار الأسد، فأوقفَ السائق السيارة، ونزل ليفتحَ باب الرّكاب، فسألهم: “مين اللي رن موبايلو؟”، أجابت إحدى الراكبات” “أنا، فأعطاها عشر ليرات، أجرة الرحلة، وقال لها: “انزلي خلي الكبير يوصلك”.
تلك الحادثة المضحكة هيَ واحدة من عشرات المآسي التي حصلت في دوما .
شيخُ شهداء الثورة
أرضُ دوما الخصبة جعلت أبو صبحي ابراهيم الدرة مزارعاً مثلَ أجداده، يزرع البقدونس الذي يرتوي من فروع نهر بردى، ثم يقصّه جُرَزاً ليبيعه في السّوق.
أبو صبحي ابراهيم الدّرة مع بدء الثّورة، رفضَ الصّمت، وأعوامه الواحدة والثمانين لم تمنعه من أن يكون متظاهراً، خرجَ وصرخ مع أهل المدينة.
في أحد المقاطع الشهيرة، وأثناء إطلاق نار تعرّضت له التظاهرة في دوما، لحقَ أبو صبحي بشباب دوما الهارب من الرّصاص وحثهم على البقاء، وألقى فيهم بيتين من قصيدة شفيق جبري التي كتبها بعدَ جلاء الاستعمار الفرنسي عن أرض سوريا :
يا فتيةَ الشام للعلياء ثورتُكم ……
وما يضيع مع العلياء مجهودُ
جُدتُم فسالتْ على الثورات أنفسُكم …….
عَلّمتُمُ الناسَ في الثورات ما الجُودُ
كان يصرخ لهم ويلوّح بعكازه، أبو صبحي بائع البقدونس، كان أوّل شهيد يوم الخميس 5 نيسان (إبريل) 2012، والشهيد رقم 12933 في قاعدة بيانات شهداء الثورة السورية التي وثّقت أسماء 13798 شهيداً حتى تاريخ الرابع والعشرين من نيسان 2012.
أبو صبحي كان جالساً خلفَ جُرَز البقدونس في سوق الغنم يبيعها، دخل الجيش مقتحماً دوما بكل ما يملك من مدرعات، رصاصة واحدة قتلت أبو صبحي ليختلط دمه مع خضرة البقدونس، خميس الاقتحام أوقع خمسة شهداء هم: “ابراهيم الدرة، أسامة بدران، بشار حاتم، محمد عيد بركة، نعمان خليل دياب البدوي، و15 انفجاراً هز المدينة، 19 نقطة قنصٍ استقر بها قناصو النّظام، 8 ساعات من القصف، ورشّ الرصاص، عشرات المصابين وحصارٌ كامل على المدينة أكمله النّظام بقطع كافة وسائل الاتصال والتيار الكهربائي.
في ذلك اليوم، وعلى بعدِ 14 كيلومتراً من دمشق، قُتلَ أبو صبحي، واستمرّت حركة الناس في البرامكة والحجاز والحلبوني كما المعتاد، الغائب الوحيد من كلّ المشهد، هم أهلُ دوما، لم يجتمعوا في كراج العباسيين، فالمدينة محاصرة حتى كتابة هذا التقرير.
قبل قليل، عادت الاتصالات إلى المدينة، وأطلق الأهالي نداءَ استغاثة موجهاً إلى موفد الامم المتحدة وجامعة الدول العربية كوفي أنان، لم نعلم بنتائجه بعد، إلاّ أن آخر كلمة قالها ناشطو المدينة إنّهم مستمرون، وإن لم يكن من استجابة فالموت ولا المذلّة.

صحيفة المستقبل اللبنانية

شارك التدوينة !

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*